العلامة المجلسي
206
بحار الأنوار
مما صنعوا . فلما جن الليل ، أدركتني السعادة ، فقلت في نفسي : إن هؤلاء الرفضة لا يرجعون عن دينهم ، بل غيرهم إذا زهد يرجع إليهم ، فما ذلك إلا لأن الحق معهم فبقيت مفكرا في ذلك ، وسألت ربي بنبيه محمد صلى الله عليه وآله أن يريني في ليلتي علامة أستدل بها على الحق الذي فرضه الله تعالى على عباده . فأخذني النوم فإذا أنا بالجنة قد زخرفت ، فإذا فيها أشجار عظيمة ، مختلفة الألوان والثمار ، ليست مثل أشجار الدنيا ، لأن أغصانها مدلاة ، وعروقها إلى فوق ، ورأيت أربعة أنهار : من خمر ، ولبن ، وعسل ، وماء ، وهي تجري وليس لها جرف ( 1 ) بحيث لو أرادت النملة أن تشرب منها لشربت ، ورأيت نساء حسنة الأشكال ورأيت قوما يأكلون من تلك الثمار ، ويشربون من تلك الأنهار ، وأنا لا أقدر على ذلك ، فكلما أردت أن أتناول من الثمار ، تصعد إلى فوق ، وكلما هممت أن أشرب من تلك الأنهار ، تغور إلى تحت فقلت للقوم : ما بالكم تأكلون وتشربون ؟ وأنا لا أطيق ذلك ؟ فقالوا : إنك لا تأتي إلينا بعد . فبينا أنا كذلك وإذا بفوج عظيم ، فقلت : ما الخبر ؟ فقالوا : سيدتنا فاطمة الزهراء عليها السلام قد أقبلت ، فنظرت فإذا بأفواج من الملائكة على أحسن هيئة ، ينزلون من الهواء إلى الأرض ، وهم خافون بها ، فلما دنت وإذا بالفارس الذي قد خلصنا من العطش باطعامه لنا الحنظل ، قائما بين يدي فاطمة عليها السلام فلما رأيته عرفته ، وذكرت تلك الحكاية ، وسمعت القوم يقولون : هذا م ح م د بن الحسن القائم المنتظر ، فقام الناس وسلموا على فاطمة عليها السلام .
--> ( 1 ) الجرف بالضم وبضمتين ما تجرفته السيول ، وأكلته من الأرض ، ومنه المثل " فلان يبنى على جرف هار ، لا يدرى ما ليل من نهار " وجمعه أجرف ، ويقال للجانب الذي أكله الماء من حاشية النهر أيضا ، أو هو بضمتين ، فكأنه أراد أن تلك الأنهار كان لها جداول مستوية وكانت المياه تجري فيها مملوءة ، بحيث لو أرادت النملة أن تشرب منها لشربت ، ولم تقع فيها .